الله يرحمه الدكتور كينج

دار اليوم نقاش بين اثنين من زملائي، أحدهما سلفي و الآخر، لنقل “معتدل التوجه”، حول مارتن لوثر كينج. خلاصة الحديث أن المعتدل مدح الدكتور كينج بحماس، فقال السلفي “من هذا؟ مطرب؟ و لماذا تمدحونه؟”، أجاب الآخر: “هذا من رواد تحرير السود في أمريكا.”
زميلي السلفي أصلحه الله ظن أنه إن قال “و لم تقدسون هذا النصراني الامريكي و لدينا في الإسلام حل للعبودية و الرق؟” سيلجم محاوره، لكنه لم يتوقع سيلاً من العبارات الغاضبة؛ منها “و لم أرى عنصرية في بلاد العرب و المسلمين حتى الآن؟” و “لماذا لم ينتهِ الرق هنا إلا من ٧٠ سنة فقط و الإسلام في الارض منذ ١٤ قرن؟”
وص الحوار إلى عبارة “الله يهدينا ما اتبعنا الإسلام الصحيح”. و كان الرد جاهزاً، لو اتبعت الإسلام الصحيح لكان لديك اليوم رقيق إن كنت مقتدراً. و انتهت

لا أكتب عن هذا الحوار الآن لنقد مسألة الرق في الإسلام، و ليست لتسميع سيرة مارتن لوثر كينج، و لكن لملاحظة أسلوب الحوار نفسه.

أولاً: ما زلت أرى حملة شعار “السلفية” أناساً مدهشين، ففي عالم فرضت عليهم العولمة يحاولون الانغلاق على أنفسهم داخل قوقعة الإسلام السلفي، و تدريجياً يفقدون الاتصال بالعالم الخارجي. وصفهم أحد الأصدقاء يوماً انهم في قوقعتهم أشبه برهبان التبت الذين انعزلوا عن العالم في جبالهم العالية، لكن راهب التبت لن يقول لك أنك مخطئ إن خالفته، و لن يبحث عن طرق لإقناعك بمبادئه، و لن يهددك بالاحتراق في نيران أزلية، بل سيتركك تبحث عن إجابات أسئلة الحياة بنفسك و سيعرض أفكاره فقط إن سألته.

ثانياً: هذا المتوقع المنعزل هو أسرع الناس قفزاً إلى ادعاء العلم بالشيء و إطلاق الأحكام عليه. هذه العادة ليست بطبيعة الحال. لكني أتساءل، أليس من كان أقرب الى الله أولى بالتواضع؟ أليس ذاك الذي يدعي اتباع الدين على فهم السلف أولى بالاعتراف بأننا لم نؤت من العلم إلا قليلاً؟

ثالثاً: لم سارع الزميل إلى اتهام زميله بتقديس الدكتور كينج؟ أهو إسقاط حالٍ على حال؟ لم لا يتخيل عقله أن يعجب المسلم بغير مسلم؟ أن يحزن إن مات من يراه إنساناً قدم خيراً للعالم، أن يذكر محاسنه و يتعلم منه دروساً لم يرها عند بني جلدته. أذكر الاتهامات المشابهة حين حزن العالم على وفاة نيلسون مانديلا، و علت أصوات الاعتراض على الحزن عليه. قالوا “ليس بمسلم”، “لا يجوز الترحم عليه”، “هناك من هو أولى بحزنكم”. و الاخيرة هي ثالثة الأثافي، أنستأذنكم قبل ذرف الدموع و تعلم الدروس؟

كان من المؤسف مشاهدة هذا الحوار بين زميلي، فقد أعادني إلى أجواء “الدرعمة التويترية” العامرة بالوصاية الفكرية و الإسقاطات و الافتراضات. و الأسوأ كان سماع عبارة “مين دا مارتن لوثر كينج؟ مطرب دا؟”

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s