التيارات النسوية

مقال من موقع الحوار المتمدن – محجوب
عن التيارات الفكرية في الحركة النسوية: من الليبرالية الى الماركسية

رجا زعاترة

2003 / 10 / 18

تسود في المجتمع، على نسائه ورجاله، (وحتى بين الشرائح الأكثر ثقافًة منهم/ منهن) معتقدات خاطئة بشأن النسوية، كحركة سياسية اجتماعية تطمح لتحقيق المساواة الجندرية، وكما هو الحال في كل انواع المساواة، هناك إختلافات جذرية في الحركة النسوية بين تياراتها الفكرية المختلفة، فالحركة النسوية، شأنها شأن كل الحركات الناشئة في حقبة الحداثة، تأثرت بالتيارات الفكرية والحركات السياسية المهيمنة وقت نشأتها.

التيار النسوي الليبرالي:
نشأ في نهاية القرن الثامن عشر، متأثرًا بكتابات جون ستيوارت ميل وجان جاك روسو، وكانت ركيزته الفكرية ونقطة إنطلاقه هي التشابه المطلق بين الرجال والنساء، وعلى أساس هذا التشابه المطلق يتوجب إعطاء النساء الحق في الملكية والتصويت وغيرها من الحقوق التي ثبتتها مفاهيم الفكر الليبرالي كالعقلانية والإستقلالية الفردية، حيث ساد الإعتقاد إن هذه المواصفات تميز الرجال فحسب، وبطبيعة الحال كانت النساء الرائدات في الكتابة والنشاط من نسوة الإقطاعيين او البرجوازية الصغيرة في أفضل الأحوال.
ورغم تحقيق بعض الإنجازات من حيث الحقوق المدنية (حق الإقتراع في الولايات المتحدة في سنوات العشرين من القرن المنصرم وفي سويسرا في الستينيات)، إلاّ إن التيار النسوي الليبرالي فشل فشلاً ذريعًا في تحصيل حقوق إجتماعية للمرأة كعاملة، فركيزة التشابه سدت الطريق على الإعتراف بحق العاملات في إجازة الولادة وغيرها من الحقوق التي لم يكن بالإمكان الإدعاء بإنها ممنوحة للرجال فقط، كما ولجأ هذا التيار الى تذويت الإختلاف – نقيض التشابه – كمصدر لدونية النساء، مما أدى الى تكريس مصداقية المجتمع البطريركي كمجتمع “متساوي” رغم إستمرار وتصاعد الإجحاف ضد النساء على مختلف الصعد وبالأساس على الصعيد الطبقي، حيث كان الفصل في سوق العمل بين المهن الرجولية وتلك النسائية واضحًا من حيث الأجور والمكانة الإجتماعية وظروف العمل، وإقتصر هذا التيار جهوده في محاولة إدخال المزيد من النساء الى المهن “الرجولية” من منطلق التشابه، وهكذا ظلت النساء تعانين من تمييز مضاعف ولم تنجح التغييرات الشكلية المذكورة في إحراز تقدم يذكر على حياة الغالبية الساحقة من النساء – النساء العاملات.

التيار النسوي الثقافوي:
تطور في سنوات السبعين من القرن الماضي، متأثرًا بحركات الحقوق المدنية في الولايات المتحدة والتحول في مسيرة مساواة الأفارقة والملونين هناك، وكانت سبقته عدة إجتهادات – فردية في الأساس – خرجت عن المطالبة بالمساواة من منطلق التشابه ومنع التمييز وغيره من أنماط “الحقوق السلبية”، كما وتاثر هذا التيار من التحولات في سوق العمل في فترة الحرب العالمية الثانية حيث ارتفعت نسبة النساء العاملات وتفاقم التمييز الطبقي من ناحية واستمرار سيطرة النظام البطريركي من ناحية أخرى، كما وكان هذا التيار نوعًا من التفاعل الجدلي – مما يفسر الترحيب به في الدول الرأسمالية – مع تعاظم المد الإشتراكي وما عناه ذلك من تغيرات جذرية على مكانة المرأة وحقوقها في الدول الإشتراكية لا سيما منح حقوق إجتماعية للعاملات.
وقد جاء هذا التيار بفكرة الإختلاف كمنطلق للمساواة، ورصد اهتمام خاص لتأثيرات الخلية العائلية في تكريس دونية النساء، حيث إرتكز الى أبحاث اكدت إن تذويت الدونية يبدأ في جيل مبكرة (3 سنوات) سويًة مع ثبات هوية الجندر لدى الأطفال، كما وبذل مجهودات في نقد وكشف زيف النماذج المتعارف عليها كنماذج “حيادية” و/أو “موضوعية” و/أو “عالمية”، موضحًا بنيتها الذكورية البحتة من حيث النظريات المجتمعية والحقوقية ايضًا، وأكدت البحوثات العلمية إن الفتيات والنساء بطبيعتهن لا ينسجمن في عالم النماذج والمصطلحات المعمول بها.
رغم التوجه الجديد المختلف جذريًا مع التوجه المركزي في التيار الليبرالي (التشابه مقابل الإختلاف، والإشارة الى الخلية العائلية كمصدر تكريس الدونية)، لم يفلح التيار الثقافوي في لمس البعد الطبقي لقضية المرأة، وظل يراوح بين إفرازات هذا البعد من ناحية، والمتجلي أساسًا في لجوء المرأة الى التبعية سواء في الخلية العائلية أو في علاقات العمل، وبالتالي خفض جاهزية المواجهة المباشرة، وبين تبني حلول وسطية لهذه الإفرازات من ناحية أخرى، وعلى سبيل المثال لا الحصر نذكر مشاريع “التمييز الإيجابي” في سوق العمل، والمشتقة مباشرًة من نماذج حركات الحقوق المدنية في القطب الرأسمالي.
وإجمالاً بالإمكان تصنيف هذا التيار في خانة النمط الليبرالي للتعددية الحضارية، وكان مصيره مصير هذا النمط على تباين حقوله: الإشارة الى إفرازات انظمة الإستغلال الطبقي دون وضع الإصبع على نقطة الأساس، ليبقى حركة نقدية لا تشذ عن الديناميكية الفكرية.
وهنا تجدر الإشارة الى كتابات المفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي وإجتهاداته في تحليل حيثيات إستمرارية النظم الرأسمالية على الرغم من تناقضاتها الجوهرية، حيث بالإمكان إعتبار التيار الثقافوي في النسوية أحد النماذج الذي قصدها غرامشي حين كتب عن مرواحة مثل هذه التيارات الإصلاحية التي ما لبثت تدور عل هامش فلك نظام الإستغلال الطبقي او الإجحاف الجندري في سياقنا.

التيار النسوي الراديكالي:
إرتكز هذا التيار الى الفلسفة الماركسية والنقد الماركسي، ونقلت موديل الصراع الطبقي الى الصراع الجندري، مُسَلِطًا إجتهاداته الجوهرية نحو بحث تحليل الصراع الجندري في سياقه الطبقي، راصدًا اهتمامًا خاصًا الى بحث عملية السيطرة على جنسوية المرأة مستعينًا بادوات فكرية ماركسية (كالمادية التاريخية والمادية الديالكتيكية والوعي الزائف) في فهم عملية السيطرة هذه، ونستعرض هنا بعض إجتهادات هذا التيار والتي غالبًا ما تنسب -جهلاً وإجحافًا- للحركة النسوية برمتها:
تشييء جسد المرأة: تشييء جسد المرأة لا يقتصر على درجاته القصوى كظاهرة الزنا (والتي تشرعنها الفلسفة الليبرالية من باب “حرية العمل”!) أو الشرائط والمنشورات الجنسية (والتي تُشرعن تحت يافطة “حرية التعبير والإبداع”!)، بل هو ظاهرة واسعة النطاق في ظل النظام الرأسمالي، ففي السوق “الحر”، تصبح المرأة بضاعة، ويضحي جسدها رقمًا في دالة العرض والطلب، ويصح هنا الضحك على شر هذه البلية، لكونها إنتهاكًا وإستهلاكًا مضاعفًا: الأول حين تكون المرأة ضحية مستهلَكة يتم الإتجار بجسد المرأة كأداة تشويقية-غرائزية وتسويقية-ربحية مشروعة، والثاني حين المرأة ضحية مستهلِكة وتدور في حلقة اللهاث المفرغة وراء أنماط الجمال المحكومة لصناعات التجميل والموضة والرشاقة والتنحيف والجراحات البلاستيكية وغيرها من أشكال إحتكار الجمال، والتي تدر ارباحًا طائلة على أصحاب هذه الصناعات والصناعات المرافقة لها: عرض الأزياء، الصحافة النسائية، المجمعات التجارية والقائمة طويلة.
العنف والإغتصاب داخل العائلة: تم شرعنة العنف الإغتصاب داخل العائلة بعدة أدوات بما يلائم الثقافة المجتمعية والقانونية المهيمنة، ففي العصور الوسطى حين ساد نظام الإقطاع تتمال شرعنة بحجة حق الملكية، حيث كانت لم تعتبر المرأة كيان قانوني صاحب حقوق بل كيان قابل للتملك من قبل الرجل، أبًا كان أو زوجًا الخ، حيث كان ينظر الى هذه الممارسات القمعية كجزء من العلاقة الزوجية و/أو العائلية.. وبعد عصر الحداثة والثورة الصناعية صارت الشرعنة بحجة الحق في الخصوصية داخل الخلية العائلية. ويقتضي التنويه هنا الى حقيقة حدوث الغالبية العظمى لجرائم الإغتصاب والعنف الجنسي عامًة داخل العائلة، وحتى لو لم يكن الجاني أحد أفراد العائلة فغالبًا ما يكون معروفًا للضحية، والى حقيقة عدم تعامل القانون مع الإغتصاب داخل العائلة كمخالفة جنائية، بل كانت ضمن طابو العائلة حتى قبل بضع عشرات السنوات فقط!
التحرش الجنسي في العمل: إعتبر التيار الراديكالي هذه الظاهرة أحد تعابير السيطرة على جنسوية المرأة، وكان تعاظم هذه الظاهرة مرتبطًا عضويًا بزيادة عدد ونسبة النساء في سوق العمل وعملية المخالطة المهنية (على عكس الفصل على خلفية جندرية)، وعلى غرار قولبة الوعي في مسألة العنف الجنسي كجزء من “طبيعة” العلاقة في العائلة، هكذا كان في سوق العمل ايضًا: كانت ظاهرة التحرش الجنسي جزءًا من طبيعة العلاقة بين الرجال والنساء في أماكن العمل، حيث إن “طبيعة” علاقة العمل لا تنظر الى التحرش الجنسي كفعل جنائي، مما يؤكد على حتمية تلاقي النسوي والطبقي، فصاحب مكان العمل يتحكم برزق عمّاله عامًة، وبجنسوية الإناث منهم أيضًا، وبطبيعة الحال فالبنية الهرمية لموازين القوى الطبقية لا تخلو من الهرمية الجندرية، الأمر الذي يكرس الدونية البنيوية للنساء ويسهل السيطرة عليهن وعلى جنسويتهن.

* كاتب فلسطيني من مدينة حيفا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s