لنتذكر مانديلا كما كان فعلاً

ترجمتي مقال

Lest We Forget, on Iraq, Afghanistan and Israel, Mandela Was a Radical

لمهدي حسن – محرر موقع هافينجتون بوست في بريطانيا

“إن كانت هناك دولة ارتكبت جرائم عصية على الذكر في هذا العالم، فهي الولايات المتحدة الأمريكية. إنهم لا يكترثون”

من قائل هذه العبارة؟ محمد أحمدي نجاد؟ فيدل كاسترو؟ جورج جالاواي؟

لا، لقد كان الراحل العظيم نيلسون مانديلا، في خطاب له في يناير عام ٢٠٠٣. كثير من مقولات “ماديبّا” وجدت طريقها إلى تويتر و فيسبوك، و إلى فقرات النعي في الجرائد و على الانترنت، لكن هذه المقولة لم تحظ بشعبية نظيراتها.

هل لأنها تتحدى التصور الكسول للرئيس السابق لجنوب أفريقيا كقديس علماني، كموحد، كشخصية يفترض أنها تسامت فوق الشق بين اليمين و اليسار السياسيين؟

هل لأنها ستجبرنا على الاعتراف بأن هذا القائد السابق للمؤتمر الوطني الأفريقي لم يحارب الظلم في بلده فقط، بل حاربه في الخارج أيضاً، و وقف ضد حكومات ديموقراطية منتخبة في الغرب، يحاول زعماؤها اليوم التشبث بذكراه و إرثه.

 فمن بين التعزيات العديدة التي صدرت حول العالم من رؤساد و حكام عدة، حاليين أو سابقين، ٣ منها كانت مثيرة للانتباه:

١- الرئيس الأمريكي السابق جورج و. بوش، آصدر بياناً من مكتبه في دالاس وصف فيه مانديلا بأنه “رجل جيد؛، و “أحد أعظم قوى الحرية و العدالة في زماننا”.

٢- رئيس الوزراء البريطاني السابق توني بلير أخبر البي بي سي أن مانديلا كان رجلاً يسعر من أمامه بالراحة، و أخرج من من يقف أمامه أفضل ما لديهم، هكذا تشعر عندما تكون معه”.

٣- أما رئيس وزراء اسرائيل الأسبق بنيامين نتنياهو فقال عنه “سيُذكر كأب لجنوب أفريقيا الجديدة و قائد أخلاقي على أعلى مستوى”

مدركون نحن تماماً لكل عبارات المدح السابقة، لكن السادة بوش، بلير و نتنياهو و غيرهم، يدركون أيضاً انه كان ناقداً شديداً لسياساتهم خلال فترات حكمهم أو غيرها.

خذوا على سبيل المثال العراق. في خطاب له في يناير عام ٢٠٠٣، و قبل شهرين من الغزو، قال مانديلا أن أي تحرك عسكري ضد نظام صدام حسين دون الحصول على موافقة مجلس الأمن هو تصرف غير شرعي، و انتقد بوش و بلير بعنف على تثبيط هيبة هيئة الأمم المتحدة. ثم وصف الرئيس الأمريكي بأنه رجل صغير -قليل القيمة- قصير النظر يريد جر العالم إلى هولوكوست.

ثم أكمل “لماذا تتصرف الولايات المتحدة بهذه العجرفة؟ كل ما يريده الرئيس بوش هو نفط العراق.”

في ذات الخطاب انتقد مانديلا تاريخ الولايات المتحدة الغير مشرف في مجال حقوق الإنسان، بدءاً من القصف النووي لمدينتي هيروشيما و ناجازاكي قبيل نهاية الحرب العالمية الثانية، و غيرها من الانتهاكات.

على سبيل مثال آخر هناك أفغانستان و ما يعرف بالحرب ضد الإرهاب. فبعد تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ أيد مانديلا التحرك العسكري الذي قادته القوات الأمريكية ضد طالبان. لكنه تراجع عن تأييده لاحقاً، حيث قال في يناير عام ٢٠٠٢ أن آراؤه السابقة كانت من جانب واحد و مبالغ فيها. و اعتذر إن بدر منه ما يوحي بعدم الاهتمام بمعاناة الشعب الأفغاني. كما ذكر الإدارة الأمريكية أن الحكم على أسامة بن لادن بأنه الإرهابي المسؤول عن تفجيرات ٩/١١ دون محاكمة فيه عدم احترام لأبسط قواعد القانون. و رغم تنديده بالإرهاب و عمليات التفجير، كان يرى أنه من الواجب القبض على المتسببين بها و محاكمتهم دون التسبب في معاناة الأبرياء في أفغانستان.

فهل علينا الآن وصف ماديبا بأنه داعم للقاعدة أو طالبان؟

القضية التالية، ربما قبل كل شيء، قضية إسرائيل ومعاملتها للشعب الفلسطيني. لقد أشار مانديلا إلى ياسر عرفات بأنه “رفيق سلاح”؛ في فبراير شباط عام ١٩٩٠، بعد ١٦ يوماً فقط بعد إطلاق سراحه من السجن، حيث احتضن مانديلا عرفات في لوساكا، زامبيا، و شبه  النضال الفلسطيني ضد إسرائيل بصراع السود ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

في نفس العام، في رحلة إلى أستراليا في شهر أكتوبر، أثار مانديلا غضب الجالية اليهودية في البلاد بسبب وصفه إسرائيل بأنها “دولة ارهابية تذبح العرب العزل والأبرياء في الأراضي المحتلة” و أنه لا يعتبر تصرفاتها مقبولة

طبعاً لم يجرؤ أحد على تشويه مانديلا بوصفه معاديا للسامية لصنع مثل هذه التعليقات. بالطبع لاحقا حفت حدة خطابه، بعد أن أصبح رئيسا لجنوب أفريقيا، وتأكيد دعمه لأمن إسرائيل – “لا أستطيع تصور انسحاب إسرائيل  إذا ما كانت الدول العربية لا تعترف بها ضمن حدود آمنة”، كما قال ذات مرة – لكن لم ينخفض دعمه غير المشروط للفلسطينيين. في اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني الحدث في بريتوريا في عام ١٩٩٧، قال مانديلا: “نحن نعلم جيداً أن حريتنا ناقصة من دون حرية الفلسطينيين .. نعم، كل منا بحاجة إلى بذل المزيد من الجهد في دعم نضال شعب فلسطين من أجل تقرير المصير “. و في مقابلة مع مجلة نيوزويك في عام ٢٠٠٢، في الفترة التي سبقت الحرب على العراق، خص مانديلا بالحديث إسرائيل و نفاق موقف الغرب من الدولة اليهودية ومخزونها من الأسلحة النووية: “لم يقدم بوش أو توني بلير أي دليل أن هذه الأسلحة موجودة [في العراق]، ولكن ما نعرفه هو أن إسرائيل لديها أسلحة الدمار الشامل، لا أحد يتحدث عن ذلك، لماذا ينبغي أن يكون هناك معيار واحد لبلد واحد، وخاصة لأنه أسود، وآخر في دولة أخرى ،إسرائيل، وهذا هو الأبيض “.

لكن لنتكلم بوضوح: كان مانديلا بعيداً عن الكمال في مواقفه السياسة الخارجية. فقد أشاد بالعقيد القذافي باسم “الأخ القائد” و “الصديق” و كان معجباً بالطاغية الراحل لدرجة أنه سمى حفيده “قذافي”؛ و أغدق الثناء على فيدل كاسترو وكوبا ودعاهم “مصدر إلهام لجميع الشعوب المحبة للحرية “. (لكن ​​نقف هنا، ولكي نكون منصفين لماديبا، و نذكر أن ليبيا -بقيادة القذافي- و كوبا -بقيادة كاسترو- قد دعما نضال المؤتمر الوطني الافريقي ضد نظام الفصل العنصري في الثمانينات،  في حين أن حكومتي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في عهد رونالد ريغان ومارغريت تاتشر، وصفتا حزب المؤتمر الوطني الافريقي بالإرهابيين.  أما إسرائيل، كما كشفت كريس ماكجريل، فقد قدمت الخبرات والتكنولوجيا لنظام الفصل العتصري في جنوب أفريقيا لصنع الأسلحة النووية.

بعد كل ما ذكر أعلاه، مغزى المقال ما يلي: يجري الآن تغيير رمز مانديلا وإعادة صياغة “علامته التجارية” من قبل السياسيين والنقاد على حد سواء، باعتباره غير سياسي تقريبا، رمزاً خالياً من الجدل و يمثل فقط ‘الأمل’، ‘السلام’، ‘الغفران’ لبقية العالم. لكنه لم يكن خائفا من التحدث علناً ​​و مواجهة ما اعتبره إمبريالية و تصرفات استعمارية من جانب دول مثل الولايات المتحدة و إسرائيل، و هي وجهات نظر تعتبر عادة غير عصرية، و إذا تبناها الأخرى السياسيين اليساريون أو الشخصيات العامة اليوم، نالوا هجمات عنيفة من الأحزاب اليمينية.

بدلا من أن نتذكر مانديلا بحزن فقط باعتباره قديساً، ينبغي لنا أن نتذكر ونحتفل بأنه صاحب مواقف حازمة “متطرفة”. و ما هو خلاف ذلك هو إساءة لنضاله من أجل الحرية والعدالة خارج حدود جنوب أفريقيا.

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s