كياروستامي ٣

أكمل اليوم ملاحظاتي عن الفيلم الثالث في سلسلة عباس كياروستامي. سأحاول جاهدة ألا تكون الأخيرة. و أضيف أيضاً بعض الصور علّها تثري تجربة القراءة.

كتب و أخرج عباس كياروستامي في ١٩٩٧ فيلم “طعم الكرز“. الفيلم يحكي عن السيد بديع، رجل على قدر من الثراء، نراه في منزله و طراز سيارته الرينج روڤر. السيد بديع يطوف بسيارته حول موقع بناء أو محجر، و يبحث عن شخص يقدم له خدمة مقابل مبلغ من المال.

20130916-180632.jpg

خلال بحثه يقل السيد بديع جندياً صغير السن كردي الأصل يحتاج من يقله إلى ثكنة عسكرية قريبة، يتجاذب الاثنان أطراف الحديث و يحكي له الجندي عن إخوته و عمله كمزارع و أجره القليل. يستغل السيد بديع الفرصة ليعرض على الشاب أن يؤدي له الخدمة. عرض لا يتوقع أنه سيرفضه.

هنا نعرف مشكلة الرجل الثري؛ بديع مكتئب غارق في السواد بشكل لم يعد يطيق معه العيش فانتهى إلى ضرورة إنهاء حياته حتى لا يؤذي حزنه أهله و أصدقاءه يقرر أن يتناول أقراصاً منومة ليلاً و يرقد في حفرة شبيهة بالقبر ليأتي أجيره في الصباح فيهيل عليه التراب وبذلك يجد نفسه مدفوناً في باطن الأرض بلا فرصة للتراجع في حال أفاق من نومه.

20130916-163312.jpg

إنه أمر غريب أن يهتم المنتحر بإيجاد من سيدفنه بعد موته. عادة لا يهمهم ما سيحدث بعد أن يغادروا الدنيا، بل يهمهم أن يكون موتهم غير مؤلم، و قد يهمهم ما سيقوله الناس عنهم بعد الرحيل. تذكرت هنا بطلة رواية باولو كويلو “ڤيرونيكا تقرر أن تموت“، التي فكرت في شكل جثتها إن ألقت بنفسها من النافذة، و كيف سيحزن المشهد المريع والديها.

نعود للصفقة، تبدو سهلة أليس كذلك؟ لكن الشاب يرفض. و يحاول بديع إغراءه بالمال ثم استعطافه دون جدوى. فما يطلبه بديع أفزع الفتى، إنه أشبه بالقتل في نظره. فيطمئنه قائلاً: عندما تأتي في الصباح لا تهل التراب فوراً بل حاول إيقاظي… ادفني فقط إن لم أجبك. لكن محاولات بديع تبوء بالفشل.

يواصل بديع محاولة العثور على معاون، فيلتقي بحارس موقع البناء الذي يدعوه إلى الشاي.

في هذا المشهد يحكي الحارس لبديع عن هجرته من أفغانستان و عن ملايين اللاجئين الأفغان إلى ايران و كيف دمرت الحرب حياتهم. فيسأله عن تأثير الحرب الإيرانية العراقية عليهم فيجيبه: الحرب في بلادنا آلمتنا لأنها تخصنا، أما الحرب هنا تستطيع القول أنها أزعجتنا فقط. إجابة مفعمة بالقومية دفعتني إلى الابتسام.

20130916-164635.jpg

يخبر الحارس بديع أنه لا يستطيع مغادرة موقعه، فلا يطلب منه مساعدته، لكن لحسن حظه -أو هكذا يظن- يعرفه الحارس على قريبه طالب الشريعة الذي يصحبه في “نزهة قصيرة بالسيارة”.

يروي بديع للطالب قصته، و يطلب منه مساعدته. لكن الطالب، رغم تفهمه المشكلة يتلو على بديع الآية “ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة” و يعتذر عن مساعدته.

بديع الآن في حالة من اليأس الشديد، و في طريق عودته إلى طهران يلتقي برجل تركي متوسط العمر يطلب منه إيصاله إلى مقر عمله في متحف التاريخ الطبيعي. الرجل يميل إلى الثرثرة، و لا يمانع أن يروي نكاتاً عن قومه. يحكي الرجل لبديع عن ولده المصاب بفقر الدم و عن حاجته للمال لعلاجه. إنها فرصة ذهبية أخرى لتقديم العرض يستغلها بطلنا. و لدهشة الجميع، يوافق الرجل على مساعدته.

20130916-165653.jpg

بعد موافقة الرجل على مساعدة بديع يبدأ المونولوج الذي يحمل روح الفيلم و يفسر اسمه. في البداية يسأل الرجل بديع عن مشكلته “كيف سأعاونك إن لم تخبرني؟” لكنه لا يلقى إجابة شافية. ثم يروي له عن محاولة انتحاره في شبابه:

في شبابي و بعد زواجي كثرت المشكلات بيني و بين زوجتي.

لم أعد أطيق الحياة و قررت الانتحار.

أخذت حبلاً إلى بستان قريب عازماً على شنق نفسي.

لم استطع تعليق الحبل فصعدت الشجرة لأربط الحبل جيداً.

كانت الشجرة محملة بثمار التوت فبدأت آكل منها. ثمار ناضجة حلوة طرية.

أنساني طعمها نيتي قتل نفسي و بقيت آكل منها حتى شروق الشمس.

طعم الثمار غيٌر نظرتي إلى الحياة.

لم تتغير مشكلاتي لكن تغيرت أنا.

و ها أنا ذا أمامك

للأسف لم يغير بديع رأيه. يعود إلى بيته و يأخذ الأقراص المنومة ثم يتجه إلى الموقع المهجور و يستلقي في الحفرة بانتظار الفجر.

هنا نترقب حضور الرجل ليهيل التراب على بديع، لكن الفيلم ينتهي بمشاهد تصور كياروستامي و طاقم عمله على التل المطل على موقع البناء. ولا نعرف ماذا حدث لبديع.

20130916-180800.jpg

حين عرض الفيلم في معهد الدوحة للأفلام قدم عباس كياروستامي كلمة قصيرة عن الفيلم أبهجت الحضور و فسرت رسالته و الإلهام الذي أستمده من إميل سيوران الذي عمل مع مرضى الاكتئاب الراغبين في الانتحار -في الصورة أدناه-. هذه الرسالة للأسف لم تفهمها السلطات الإيرانية في حينها و منعت عرض الفيلم بوصفه فيلماً يشجع على الانتحار بينما الرسالة على النقيض تماماً.

20130916-174436.jpg

20130916-174934.jpg

فاز الفيلم بالسعفة الذهبية في مهرجان كان في ذات العام الذي أنتج فيه.

استمتعوا بحياتكم.

دمتم بود :)

Advertisements

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s