كياروستامي ١

يعرض معهد الدوحة للأفلام مجموعة من أفلام المخرج العالمي الإيراني عباس كياروستامي من ١٣ إلى ٢٢ سبتمبر. كياروستامي بالنسبة لي من المخرجين المعروفين إسماً المجهولين أعمالاً. فمن السهل حين نتابع أخبار المهرجانات العالمية كما كنت أفعل أن نسمع عن اسم المخرج العظيم و التقديرات و الجوائز التي تحظى بها أفلامه، لكن لن تُعرض هذه الأفلام في دور السينما المحلية أو قنوات التلفزيون المعنية بالأفلام. لهذا كان عرض معهد الدوحة للأفلام فرصة ذهبية بالنسبة لي.

تشتهر أفلام كياروستامي ببساطتها، و الرسائل الإنسانية التي تختبئ في تفاصيل الفيلم. أفلامه عادة بعيدة عن النقد الصريح للسياسة، لكن لسبب ما ربما يجب أن أفتش عنه في زوايا الشبكة العنكبوتية، منعت بعض أفلامه من العرض في طهران. ستكون هذه الأفلام الهادئة بالتأكيد غريبة النكهة على من ألف السينما الهوليوودية سريعة الإيقاع صاخبة المشاهد. و توقعت أن يصيبني الملل لكن بعد تجربة الفيلم الأول تأكدت أنني قد حرمت نفسي من أمر عظيم لكني على وشك التعويض.

الفيلم الأول هو “أين منزل الصديق؟” الذي أنتج عام ١٩٨٧م. الفيلم هو الأول في ثلاثية “كوكر” لكياروستامي. و كوكر لمن لا يعرف هي قرية صغيرة في شمال أيران صور فيها كياروستامي ٣ أفلام. هذه القرية اللطيفة للأسف دمرها زلزال عنيف في عام ١٩٩٠.

يحكي الفيلم عن أحمد أحمدپور، صبي في الثامنة يعيش في قرية كوكر مع والديه و شقيقيه و جده. جدير بالذكر هنا أن أحمد، و غيره من الأطفال في الفيلم، ليسوا ممثلين محترفين، بل سكان قرية كوكر. عفويتهم تثري هذا الفيلم بشكل طبيعي دون تكلف أو ادعاء. الفيلم يبدأ بأحمد منهمكًا في حل فروضه المنزلية بينما شقيقه الصغير يبكي في مهد متأرجح. أمه نموذج للأم التقليدية، منهمكة في غسل الثياب، متوترة بسبب بكاء الرضيع، تفكر في إرسال احمد ليشتري خبزًا للعشاء و تريده في ذات الوقت أن ينجز فروضه.

أحمد صبي هادي وديع الصوت، يبدو في المشاهد الأولى ضعيف العزيمة. يكتشف أحمد أنه أخذ دفتر زميله محمد رضا نامتازاده خطأً، و يخشى أن يطرد الأستاذ محمد رضا إن لم يتمكن من إعادة الدفتر إليه في الوقت المناسب. يخبر والدته بالمشكلة لكنها تتجاهله، خاصة بعد أن تعرف أن محمد رضا يقطن في القرية المجاورة بوشتي.

رغم اعتراض والدته يقرر أحمد إعادة الدفتر إلى صاحبه، فيركض إلى القرية المجاورة صاعداً تلاً أرهقتني مشاهدة أحمد و هو يركض عليه، لكن يبدو أن الصبي يتمتع بلياقة عالية. هناك، يتنقل من حي إلى حي و يطرق الأبواب بحثاً عن بيت صديقه دون جدوى، ثم يصل إلى أحد البيوت فيخبره أهلها أن محمد رضا و والده ذهبا إلى كوكر. يعود أحمد و يقابل جده جالساً على عتبة دار صديقه و العجوزان يتجاذبان أطراف الحديث. جده يأمره بأن يجلب له السجائر لكن أحمد يحاول التملص من الأمر بحجة أنه سيجلب الخبز لدارهم. و يركض بعيداً. هنا ينطلق الجد في مونولوج عن فرق التربية بين جيله و جيل حفيده. و كيف سيقومه الضرب ليصبح فرداً نافعاً في المجتمع. يعود أحمد بالصدفة ليجد حداداً يبرم صفقة مع صديق جده، و يأخذ ورقة من دفتره يكتب عليها عقد الصفقة ثم يركب حماره عائداً إلى قريته. كالعادة يتجاهل الكبار الصغار، فأحمد سمع أن الحداد يحمل اسم صديقه محمد رضا. فيركض خلفه عائداً إلى بوشتي حتى يصل إلى بيته حيث ربط حماره. هناك يلقى صبياً في مثل عمره يسأله عن محمد رضا نامتازاده فينكر أنه يعرفه. لكنه يدله على منزل مجاور. الظلام يخيم على القرية و أحمد خائف لكنه عازم على إيصال الدفتر مهما كلف الأمر فيذهب. هناك يلتقي رجلاً عجوزاً يعرف محمد رضا و يخبره بأنه قريبه و أنه سيدله على بيته. خلال هذه الرحلة البطيئة يسر العجوز لأحمد قصصاً عن أبواب الحديدية التي كان يصنعها، و عن حزنه لأن أبناءه تركوا القرية و ارتحلوا إلى المدينة. هنا تيمة يقول النقاد أنها تتكرر في أفلام كياروستامي؛ المقارنة بين الريف و المدينة.

يصل الثنائي إلى البيت المنشود، ليكتشف أحمد أنه ذات البيت الذي ربط عنده الحمار، فيفقد الأمل في العثور على بيت صاحبه و يقرر العودة إلى قريته. هنا يودعه العجوز، و يعطيه زهرة نامية من بين أحجار الطريق، و يوصيه بالعناية بها و أن يضعها في الدفتر.

يعود أحمد إلى منزله و يفقد شهيته للعشاء بسبب الهم رغم توسلات والدته ثم يكمل حل واجبه.

في الصباح التالي نرى مشهد الصف الدراسي، يدخل المدرس و يسأل الطلاب عن واجبهم واحداً تلو الآخر. أحمد يصل متأخراً و يجلس بجوار محمد رضا الذي يرتجف خوفاً بانتظار وصول الأستاذ لطاولته. يعطيه احمد الدفتر و يبشره أنه قام بإنجاز الفرض نيابة عنه. يصحح الأستاذ دفتريهما دون مشاكل. و عندما يصحح دفتر محمد رضا تظهر الزهرة الصغيرة التي أعطاها العجوز لأحمد. ثم تسوّد الشاشة و تبدأ تترات النهاية.

الفيلم بسيط جداً، جميل جداً، يحتفل بشجاعة أحمد و إحساسه بالواجب و ولائه لصديقه. و هو درس لم يحتج لضرب أو توبيخ ليتعلمه، بل هو خير نابع من ذاته الجميلة.عزيمته مدهشة و تخالف الانطباع الأول الذي يظهر في بداية الفيلم.

كذلك يحتفي الفيلم بالحياة البسيطة في الريف الإيراني حيث تخيم هالة من الرضى على وجوه ساكني القريتين رغم صعوبة الحياة. تأتي الموسيقى التصويرية مواكبة لتيمة الفيلم، ألحان إيرانية تقليدية بسيطة تثري الجو الريفي بجمالها

تقييمي للفيلم ٨ من ١٠.

دمتم بخير.

Advertisements

2 thoughts on “كياروستامي ١

  1. شكراً سلوى لإعطائ الفرصة لولوج عالم المخرج عباس كياروستامي
    من سردك لقصة الفلم و تقيمك الذي أثق به سأشاهد الفلم

    أنتظر بقية الأفلام

    شكراً مرةً أخري

  2. Pingback: كياروستامي ٢ | Salwa Sidahmed

Leave a Reply

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s